بسم الله وبحمده

تحريم الذهب المحلّق

قال الألباني في آداب الزفاف:
اعلم أن النساء يشتركن مع الرجال في تحريم خاتم الذهب عليهن، ومثله السوار والطوق من الذهب؛ لأحاديث خاصة وردت فيهن، فيدخلن لذلك في بعض النصوص المطلقة التي لم تقيد بالرجال، وإليك الآن ما صح من الأحاديث المشار إليها:
الأول: {من أحب أن يحلّق حبيبه بحلقة من نار فليحلّقه حلقة من ذهب، ومن أحب أن يطوّق حبيبه طوقاً من نار فليطوّقه طوقاً من ذهب، ومن أحب أن يسوّر حبيبه سواراً من نار فليسوّره سواراً من ذهب، ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها} أبو داود وأحمد بسند جيد.
الثاني: عن ثوبان رضي الله عنه قال: (جاءت بنت هبيرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي يدها فتخ [من ذهب] [أي خواتيم كبار]، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يضرب يدها [بعصية معه يقول لها: أيسرك أن يجعل الله في يدك خواتيم من نار؟!]، فأتت فاطمة تشكو إليها، قال ثوبان: فدخل النبي صلى الله عليه وسلم على فاطمة وأنا معه؛ وقد أخذت من عنقها سلسلة من ذهب، فقالت: هذا أهدى لي أبو حسن (تعني زوجها علياً رضي الله عنه) -وفي يدها السلسلة- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا فاطمة! أيسرّك أن يقول الناس: فاطمة بنت محمد في يدها سلسلة من نار؟! [ثم عذمها عذماً شديداً]، فخرج ولم يقعد، فعمدت فاطمة إلى السلسلة فباعتها فاشترت بها نسمة فأعتقتها، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الحمد لله الذي نجّى فاطمة من النار) النسائي والطيالسي والطبراني.
الثالث: عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في يد عائشة قُلبين ملويين من ذهب، فقال: {ألقيهما عنك واجعلي قلبين من فضة وصفريها بزعفران}. القاسم السرقسطي بسند صحيح، والنسائي والخطيب، والبزار نحوه.
الرابع: عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (جعلت شعائر من ذهب في رقبتها، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنها، فقلت: ألا تنظر إلى زينتها، فقال: عن زينتك أُعرض، [قالت: فقطعتها، فأقبل علي بوجهه]. قال: زعموا أنه قال: ما ضَرَّ إحداكن لو جعلت خرصاً من ورق، ثم جعلته بزعفران).
وفي حديث أسماء بنت يزيد في قصة أخرى نحوه: (... وتتخذ لها جُمانتين من فضة، فتدرجه بين أناملها بشيء من زعفران، فإذا هو كالذهب يبرق) أخرجه أحمد وأبو نعيم وابن عساكر.

- ولا يمكن إثبات صحة الإجماع في هذه المسألة؛ [أي حكم الذهب المحلق خاصة].
- ويستحيل وجود إجماع صحيح على خلاف حديث صحيح دون وجود ناسخ صحيح.
- وقال الإمام أحمد رضي الله عنه: (من ادعى الإجماع فهو كاذب، [وما يدريه؟]، لعل الناس اختلفوا).
- وقال ابن القيم في صدد بيان أصول فتاوى الإمام أحمد: (ولم يكن (يعني الإمام أحمد) يقدم على الحديث الصحيح عملاً ولا رأياً ولا قياساً ولا قول صاحب، ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعاً ويقدمونه على الحديث الصحيح! وقد كذّب أحمد من ادعى هذا الإجماع، ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت، وكذلك الشافعي ... ونصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلّ عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ لتعطلت النصوص، وساغ لكل من لم يعلم مخالفاً في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص).
- وروي عن محمد بن سيرين بسند صحيح أنه سمع أبا هريرة يقول لابنته: (لا تلبسي الذهب؛ إني أخشى عليك اللهب). وهذا ينقض الإجماع المزعوم.
- وذكر ابن عبد الحكم في (سيرة عمر بن عبد العزيز - ص163) أن ابنة عمر بعثت إليه بلؤلؤة وقالت له: إن رأيت أن تبعث لي بأخت لها حتى أجعلها في أذني، فأرسل إليها ثم قال لها: إن استطعت أن تجعلي هاتين الجمرتين في أذنيك بعثت لك بأخت لها!.
ومن الظاهر أن اللؤلؤة كانت محلاة بالذهب، لأنها لا تقوم بنفسها، ولا تحلى عادة إلا بها، ويؤيد ذلك لفظة: (الجمرتين)، فإنها مستوحاة من بعض أحاديث التحريم المتقدمة كحديث بنت هبيرة، فثبت بطلان دعوى الإجماع في هذه المسألة.

- والنسخ مردود أيضًا لعدم ثبوت تأخر المبيح عن الحاظر، ولأن أحاديث الحظر مخصصة لحديث الإباحة وليست معارضة لها.
- وهناك أحاديث يستفاد منها إباحة الذهب على الرجال، ومع ذلك فلم يأخذ بها أحد من العلماء، لمجيء النصوص المحرمة، بل ذهبوا إلى أنها كانت قبل التحريم، وكذلك نقول نحن في الأحاديث المبيحة للذهب المحلق للنساء، أنها كانت قبل التحريم، ومن فرّق بين هذه وتلك، فهو متناقض أو متلاعب!.
- قيل إن الوعيد الوارد في الأحاديث المتقدمة إنما هو في حق من لا يؤدي زكاة تلك الحلي دون من أداها، واستدل عليه بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان (أي سواران) غليظتان من ذهب، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرّك أن يسوّرك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟! قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: هما لله عزّ ولرسوله.
وهذا استدلال ضعيف جداً، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينكر في هذه القصة لبس السوارين، وإنما أنكر عدم إخراج زكاتهما، بخلاف الأحاديث المتقدمة، فإنه أنكر اللبس، ولم يتعرض لإيجاب الزكاة عليها، والظاهر أن هذه القصة كانت في وقت الإباحة، فكأنه صلى الله عليه وسلم تدرج لتحريمها، فأوجب الزكاة عليها أولاً، ثم حرمها، كما هو صريح الأحاديث السابقة.
- ومن أعجب ما رُدّت به هذه الأحاديث الصحيحة؛ قول بعض متعصبة الحنفية: (إن عائشة رضي الله عنها كانت تلبس الخواتيم من الذهب، كما رآها ابن أختها القاسم بن محمد وحدث بذلك، وهذا الخبر عن عائشة رواه البخاري في صحيحه) [معلقا دون إسناد].
قال: روي عن عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن أبي مرو أنّ القاسم بن محمد قال: (لقد رأيت عائشة تلبس المعصفرات، وتلبس خواتم الذهب) لكن رواه غير عبد العزيز بلفظ: (كانت تلبس الأحمرين: المذهب والمعصفر) وهذا الإسناد أصح، لأن سليمان أحفظ من عبد العزيز. فإن ثبت ذكر الخاتم في هذا الأثر عن عائشة فالجواب ما سيأتي، وإلاّ فلا حجة فيه مطلقاً، لأن الرواية الأخرى -وهي الأصح- لا ذكر للخاتم فيها،،، وليس في الأثر المتقدم أن عائشة لبسته على علم منه صلى الله عليه وسلم، بل فيه أن القاسم بن محمد رآها تلبسه، والقاسم لم يدركه صلى الله عليه وسلم،،، وكم من سنن فعلية وأقوال نبوية خفيت على كبار الصحابة رضي الله عنهم.

- ولعل فيمن ينصر السنة ويعمل بها ويدعو إليها من يتوقف عن العمل بهذه الأحاديث؛ بعذر أنه لا يعلم أحداً من السلف قال بها، فليعلم هؤلاء الأحبة أن هذا العذر قد يكون مقبولاً في بعض المسائل التي يكون طريق تقريرها إنما هو الاستنباط والاجتهاد فحسب، لأن النفس حينئذ لا تطمئن لها خشية أن يكون الاستنباط خطأ، ومسألتنا ليست من هذا القبيل، فإن فيها نصوصاً صريحة محكمة لم يأت ما ينسخها -كما سبق بيانه- فلا يجوز ترك العمل بها للعذر المذكور،،، فيجب العمل بالنص سواء علمنا من قال به أو لم نعلم، ما دام لم يثبت نسخه.

- قال ابن القيم رحمه الله تعالى؛ في (إعلام الموقعين 3/464-465):
(وقد كان السلف الطيب يشتد نكيرهم وغضبهم على من عارض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي أو قياس أو استحسان أو قول أحد من الناس كائناً من كان، ويهجرون فاعل ذلك، وينكرون على من يضرب له الأمثال، ولا يسوغون غير الانقياد له صلى الله عليه وسلم والتسليم والتلقي بالسمع والطاعة، ولا يخطر بقلوبهم التوقف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان، بل كانوا عاملين بقوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}، وبقوله تعالى: {فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويُسلّموا تسليما}، وبقوله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكّرون}، وأمثالها، فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا وكذا، يقول: من قال هذا؟ دفعاً في صدر الحديث، ويجعل جهله بالقائل حجة له في مخالفته وترك العمل به، ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل، وأنه لا يحل له دفع سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الجهل، وأقبح من ذلك عذره في جهله، إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة، وهذا سوء ظن بجماعة المسلمين؛ إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبح من ذلك عذره في دعوى هذا الإجماع، وهو جهله وعدم علمه بمن قال بالحديث، فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة. والله المستعان).
***
هذه مقتطفات مما ذكره الألباني في كتاب آداب الزفاف فيما يتعلق بتحريم الذهب المحلق على النساء، والحديث الأول الذي ذكره الألباني عن أبي هريرة صححه أيضًا الشوكاني وأحمد شاكر والأرنؤوط وسكت عنه أبو داود وقد قال: ما سكت عنه فهو صالح.
ويمكنني القول إنّ الذهب المحلّق يشمل كل ذهب معلق ومتصل بالجلد بشكل دائم وهذا يشمل أقراط الأذن وإن كانت غير محلقة إذ العبرة بالحقائق والمعاني وليس بالألفاظ، وعلى هذا يجوز للنساء الزينة بالذهب الموضوع على الرأس أو المعلق على الشعر والثياب.
وقد قرأت فتوى الشيخ ابن باز ولم أجدها بالقوة الكافية للردّ على التحريم؛ فقد استدل بقول الله تعالى: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} وقول النبي صلى الله عليه وسلم: {أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي وحرم على ذكورها} وهذه نصوص عامة، ومن المعلوم أنّ العام لا يعارض به الخاص، ويكفي ما ذكره الألباني في نقض الإجماع، وكذلك استدل سماحة الشيخ ابن باز بعدد من الأدلة الخاصة كحديث الزكاة المذكور سابقًا وهذه لعلها كانت في وقت الإباحة كما ذكر الألباني، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، وأدلة التحريم صارفة عن الأصل وفيها زيادة علم، ومن المعلوم أيضًا من قواعد الشريعة أنه إذا تعارض مبيح وحاظر ولم يمكن الجمع بينهما أو القول بالنسخ قدم الحاظر على المبيح لأنّ درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح، وذلك أسلم وأبرأ للذمة.

وقد ذُكِر في أحد المواقع الطبية أن كل المصابين بمرض الزهايمر فيهم نسبة عالية من الذهب وهو ما يعرف بهجرة الذهب، فقد ثبت أن ذرات الذهب تنتقل عبر الجلد إلى الدم، وتتراكم على مدى سنوات، والله تعالى أعلم بالأضرار التي تسببها في الجسم غير هذا النوع من الخرَف، ولا يلزم من هذا أنّ كل من لبس الذهب أصابه هذا الخرف، فهذا يتوقف على القدر الملامس للجلد من الذهب ومدته والعادات الغذائية المصاحبة له، والحيض لدى النساء يطرد جزءً منه، وكذلك الحجامة والتبرع بالدم. ومن رحمة الله بالرجال أنّ تحريم الذهب عليهم ظاهر ومتفق عليه بين العلماء.

وبالله التوفيق
والحمد لله ربّ العالمين

جمع وتعليق/ محمَّد بن أحمد التركي
mhmdahmd.arabblogs.com
26 صفر 1427